محمد بن جرير الطبري

271

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فتأويل الكلام : فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول غرابا يبحث في الأرض ، يقول : يحفر في الأرض ، فيثير ترابها ليريه كيف يواري سوءة أخيه ، يقول : ليريه كيف يواري جيفة أخيه . وقد يحتمل أن يكون عنى بالسوأة الفرج ، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة ، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل . وفي ذلك محذوف ترك ذكره ، استغناء بدلالة ما ذكر منه ، وهو : فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميت ، فواراه فيها ، فقال القاتل أخاه حينئذ : يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب الذي وارى الغراب الآخر الميت فأواري سوأة أخي ؟ فواراه حينئذ فأصبح من النادمين على ما فرط منه من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه . وكل ما ذكر الله عز وجل في هذه الآيات ، مثل ضربه الله لبني آدم ، وحرض به المؤمنين من أصحاب رسول الله ( ص ) على استعمال العفو والصفح عن اليهود ، الذين كانوا هموا بقتل النبي ( ص ) ، وقتلهم من بني النضير ، إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتلي عمرو بن أمية الضمري ، وعرفهم عز وجل رداءة سجية أوائلهم وسوء استقامتهم على منهج الحق مع كثرة أياديه وآلائه عندهم ، وضرب مثلهم في عدوهم ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم بابني آدم المقربين قرابينهما اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات . ثم ذلك مثل لهم على التأسي بالفاضل منهما دون الطالح ، وبذلك جاء الخبر عن رسول الله ( ص ) . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : قلت لبكر بن عبد الله : أما بلغك أن نبي الله ( ص ) قال : إن الله عز وجل ضرب لكم ابني آدم مثلا ، فخذوا خيرهما ودعوا شرهما ؟ قال : بلى . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، قال : قال رسول الله ( ص ) : إن ابني آدم ضربا مثلا لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما . حدثنا المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن عاصم الأحول ، عن الحسن قال : قال رسول الله ( ص ) : إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا ، فخذوا من خيرهم ودعوا الشر . القول في تأويل قوله تعالى : *